السرخسي

237

أصول السرخسي

والحاصل أن في الدعوى والانكار يعتبر المعنى دون الصورة ، فقد يكون المرء مدعيا صورة وهو منكر معنى ، ألا ترى أن المودع إذا ادعى رد الوديعة يكون منكرا للضمان معنى ، ولهذا كان القول قوله مع اليمين ، وإنما جعل الشرع اليمين في جانب المنكر . والبكر إذا قالت : بلغني النكاح فرددت ، وقال الزوج بل سكتت ، فالقول قولها عندنا ، وهي في الصورة تدعي الرد ولكنها تنكر ثبوت ملك النكاح عليها في المعنى ، فكانت منكرة لا مدعية . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما : إذا اختلف المتبايعان في الثمن بعد هلاك السلعة فالقول قول المشتري مع يمينه ، وهو في الصورة يدعي بيعا بأقل الثمنين ولكنه في المعنى منكر للزيادة التي يدعيها البائع ، فعرفنا أنه إنما يعتبر المعنى في الدعوى والانكار دون الصورة . إذا ثبت هذا فنقول : هذه الوجوه من الممانعة تكون إنكارا من السائل فلا حاجة به إلى إثبات إنكاره بالحجة ، واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بما لا يفيد ، وقوله إن الحكم في الأصل ما تعلق بهذا الوصف فقط بل به وبقرينة أخرى يكون إنكارا صحيحا من حيث المعنى وإن كان دعوى من حيث الصورة ، لان الحكم المتعلق بعلة ذات وصفين لا يثبت بوجود أحد الوصفين . وذلك نحو ما يعلل به الشافعي رحمه الله في اليمين المعقودة على أمر في المستقبل لأنها يمين بالله مقصودة فيتعدى الحكم بهذا الوصف إلى الغموس . فإنا نقول : الحكم في الأصل ثبت بهذا الوصف مع قرينة وهو توهم البر فيها فيكون هذا منعا لما ادعاه الخصم والخصم هو المحتاج إلى إثبات دعواه بالحجة . فأما قول السائل : ليس المعنى في الأصل ما قلت وإنما المعنى فيه كذا ، هو إنكار صورة ولكنه من حيث المعنى دعوى وهو دعوى غير مفيد في موضع النزاع ، لأنه لا يمكنه أن يقول في موضع النزاع لتقرير ذلك المعنى سوى أن هذا المعنى معدوم في موضع النزاع ، وعدم العلة لا يوجب عدم الحكم وإن كان هذا يصلح للترجيح به من وجه ، على ما نبينه إن شاء الله تعالى .